منتدى أحباب فضيلة الشيخ رزق السيد عبده

( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى )
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  أحباب الشيخ رزقأحباب الشيخ رزق  

شاطر | 
 

 من مظاهر تجليات الأنبياء الوجودية في القرآن الكريم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فقير الاسكندرية
Admin
avatar

عدد الرسائل : 310
تاريخ التسجيل : 02/09/2008

مُساهمةموضوع: من مظاهر تجليات الأنبياء الوجودية في القرآن الكريم   الأربعاء سبتمبر 03, 2008 1:31 pm

الله
بسم الله الرحمن الرحيم
من مظاهر تجليات الأنبياء الوجودية في القرآن الكريم

الحمد لله المتصف بصفات الكمال. ذي العزة والجلال. جميلٌ يحبُّ الجمال. الذي هو لما يريد فعّال. والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء كريم الخصال. ترك فينا الكتاب والعترة. وعلى آله وصحبه كلما جالت في الأفكارِ فكرة. وقام قائمٌ بعد العثرة.
أما بعد...
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته...
ثم أما بعد...
فهذه الوريقات ما هي إلا محاولات. إذ وقعت بأيدي الكرام فليثبتوا ما فيها مما هو للحق واردات. ويمحوا ما فيها من زلات. ويعفوا عما وقع أصحابها فيه من العثرات. والعفو شيمةُ الكرام. وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام.
ثم أما بعد...
فإنه قد كان بدأ الفكر في هذه الوريقات ما استرجعناه في ذاكرتنا عند لقاءبعضنا لأحد الشعراء قبل انتقاله إلى رحمة الله وهو الشاعر كمال عبد الحليم، وكان في آخر عمره شديد التعلق بالقرآن يتدبره، فسأله أحدنا مرة عن هذا التدبر فأعطاه مثالاً وقال له إن قصة سيدنا موسى على سبيل المثال نجد فيها فعل الإلقاء يتكرر فيها منذ ولادته كما سيأتي بيان ذلك على التفصيل إن شاء الله.
ثم ورد علينا شيء آخر وهو ما سمعنا وقرأنا عن سريان أمر القميص في قصة سيدنا يوسف في المواضع المختلفة.
فبدأ يخطر لنا البحث في ما ورد عن الأنبياء فيما له علاقة بفعل أو أفعال وشيء أو أشياء وصفة أو صفات تسري في قصة النبي القرآنية وحياته الوجودية فمثلاً سيدنا موسى كان الإلقاء أول ما صادفه في المهد ثم كان القاء العصا وأُلقي السحرة سجدا وأَلقى الألواح وهكذا وكل ذلك من بركة قول الله له (وألقيتُ عليك محبة مني) وسيأتي تفصيل الكلام على ذلك إن شاء الله.
أما خليل الرحمن سيدنا إبراهيم والكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم سيدنا يوسف على نبينا وعليهما أفضل الصلاة وأتم السلام فلقصتهما علاقة وثيقة بفعل (رأى).

(1) الرؤية والعبودية الكاملة

ولنبدأ معاً بأبي الأنبياء خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام:
لقد تكرر فعل (رأى) بمشتقات مختلفة في قصة سيدنا إبراهيم في المواضع التالية:
(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة 128
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ) البقرة 260
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الأنعام 74
(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) [الأنعام/75-78]
(فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) [هود/70]
(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) [الصافات/102]
(قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ )[الصافات/105]

ونحن نعتقد أن سيدنا إبراهيم كان صاحب رؤية vision بأرقى معانيها الحسية والمعنوية، من نظر وإبصار وتأمل ومعاينة وقصد إلى الحق وتوجيه وجه (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام/79].
قال ابن فارس في مقاييس اللغة: (رأي) الراء والهمزة والياء أصلٌ يدلُّ على نظرٍ وإبصارٍ بعينٍ أو بصيرة.
وإن كانت الرؤية لها علاقة بالنظر كما ذكر هنا فلنستقري ما جاء في القرآن في قصة سيدنا إبراهيم فيما يتعلق بفعل (نظر) نجد ما يلي:
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُوم [الصافات/88]
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات/102]
وفي معجم مقاييس اللغة لابن فارس:
(نظر) النون والظاء والراء أصلٌ صحيح يرجع فروعُه إلى معنىً واحد وهو تأمُّلُ الشّيءِ ومعاينتُه، ثم يُستعار ويُتَّسَع فيه. فيقال: نظرت إلى الشّيءِ أنظُر إليه، إذا عاينْتَه. وحَيٌّ حِلاَلٌ نَظَرٌ: متجاوِرون ينظرُ بعضُهم إلى بعض. ويقولون: نَظَرتُه، أي انتظرته. وهو ذلك القياس، كأنَّه ينظر إلى الوقت الذي يأتي فيه. قال:
فإنّكُما إن تَنْظُرَانِيَ ليلةً *** من الدَّهر ينفَعْني لدى أمِّ جُندَبِ
ومن باب المجاز والاتِّساع قولُهم: نظَرَتِ الأرضُ: أرَتْ نَباتَها. وهذا هو [القياس. و] يقولون: نَظَرَت بعَينٍ. ومنه نَظَرَ الدهرُ إلى بني فلانٍ فأهلكَهم. [و] هذا نظيرُ هذا، من هذا القياس؛ أي إنَّه إذا نُظِرَ إليه وإلى نَظِيرِهِ كانا سواءً. وبه نَظْرَةٌ، أي شُحوب، كأنَّه شيءٌ نُظِرَ إليه فشَحَب لونُه. والله أعلمُ بالصَّواب. انتهى.

وصاحب الرؤية والنظر صاحب حُجَّة، ولذلك نجد قومه يحاجونه، والنمروذ يحاجه في ربه، والحُجَّة هي قصد الحق، والحج هو قصد البيت الحرام للنسك، وفعل حج معناه قصد فكل قصد حج (راجع مقاييس اللغة لإبن فارس).
وسيدنا إبراهيم له علاقة وثيقة بفعل (حج) ولننظر ما يرد علينا في ذلك من كتاب الله:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[البقرة/258]
(فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران/97]
(وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُون) [الأنعام/80]
(وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ )[الأنعام/83]
(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) [الحج/27]
إن علاقة كوكبة الأفعال بقطب هذه الكوكبة وهو النبي هو تجلي وجودي، لأن الأشياء تتكلم بمجرد وجودها، والفعل هو المفتاح الذي يفتح المجال الأساسي للظهور.
فالإلقاء واللقاء: له علاقة بلقاء سيدنا موسى واحتجابه عنه فهذا اشارة إلى أنك كى تعلو إلى أعلى عليين لا بد تهبط إلى أسفل سافلين وبذلك تصبح مظهر جامع وإنسان كامل.

قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: كنت مع الشيخ في سفر (يعني سيدي أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه) ونحن قاصدون إلى الإسكندرية حين مجيئنا من المغرب، فأخذني ضيق شديد حتى ضعفت عن حمله، فأتيت إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه فلما أحس بي قال: آدم خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة نصف يوم خمسمائة عام ثم نزل به إلى الأرض، والله ما نزل الله بآدم إلى الأرض لينقصه، ولكن نزل به إلى الأرض ليكمله، ولقد أنزله إلى الأرض من قبل أن يخلقه بقوله: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة/30]، ما قال في الجنة ولا في السماء، فكان نزوله إلى الأرض نزول كرامة لا نزول إهانة، فإنه كان يعبد الله في الجنة بالتعريف، فأنزله إلى الأرض ليعبده بالتكليف، فلما توفرت فيه العبوديتان استخق أن يكون خليفة، وأنت أيضاً لك قسط من آدم: كانت بدايتك في سماء الروح في جنة المعارف، فأنزلت إلى أرض النفس لتعبده بالتكليف، فلما توفرت فيك العبوديتان استحققت أن تكون خليفة.

وكل رؤية سيدنا إبراهيم ونظره حاصل نتيجة الإراءة الأولى قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) [الأنعام/75]، وذلك لأنه مظهر من مظاهر أحدية الكثرة فإن عين رؤية الحق له هو عين اراءته لملكوت السموات والأرض وهو عين رؤية سيدنا إبراهيم لما في السماء والأرض، ومقتضاها الحقيقي العبودية الكاملة بنفي الفعل وإثباته بل بنفي العبد وإثباته في آن واحد بل عين هذا هو عين ذاك، وهذه النقطة هي النقطة الممدة لكل الحروف بمداد الوجود الكوني وهي نقطة إنتشاء الإمكان وإفتتاح الموجودات كلها التي هي الفاتحة الكبرى، وللموضوع بقية وصلى الله وسلم على سيد المرسلين والحمد لله رب العالمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فقير الاسكندرية
Admin
avatar

عدد الرسائل : 310
تاريخ التسجيل : 02/09/2008

مُساهمةموضوع: المظهر الجامع والإنسان الكامل   الأربعاء سبتمبر 10, 2008 4:10 pm

الله
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله المتعالي والصلاة والسلام على كريم الخصالِ سيدنا محمدٍ وآله وصحبه على مر الأيامِ واللياليي.
أما بعد...
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته...
ثم أما بعد...
(2) المظهر الجامع والإنسان الكامل

ونعود إلى ما بدأناه في مقالتنا، واللقاء الآن مع سيدنا موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
إن الإلقاء كما قلنا صاحبه منذ ولادته بل إن شئت قلت منذ اصطفائه قال تعالى:
(وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه/39]
وقال تعالى:
والإلقاء من فعل (لقي) قال ابن فارس في مقاييس اللغة: اللام والقاف والحرف المعتل أصولٌ ثلاثة: أحدها يدلُّ على عوَج، والآخر على توافِي شيئين، والآخر على طَرْحِ شيء.فالأوَّل اللَّقْوة: داءٌ يأخذ في الوجه يعوَجُّ منه. والأصل الآخر اللِّقاء: المُلاقاة وتَوَافِي الاثنين متقابِلَين،
والأصل الآخر: ألقَيْتُه: نبذْتُه* إلقاءً. والشَّيء الطَّريح لَقىً. انتهى من مقاييس اللغة بإختصار.
وقد كان لسيدنا موسى نصيب من هذا الفعل من حيث لقاء ربه ومن حيث الإلقاء والنبذ والقذف، أما السامري وقوم موسى حين عبدوا العجل فلم يشهدوا نصيب الفعل من اللقاء، وشهدوا نصيبه من العوج قال تعالى:
(قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) [طه/87]
والسامري مذكور في القرآن في موضعين هذا أحدهما والاخر قوله تعالى:
(قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) [طه/85]
ولاحظ أن الفعل في هذه الآية هو (أضل) فكان إلقاء السامري في الآية الأولى عين إضلالهم في الآية الثانية، فعلم أن هذا الإلقاء فيه نصيب من العوج.
وقال تعالى عن اليهود لما أسأوا الأدب في الشأن الإلهي:
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة/64]) فانظر كيف لاقوا نصيبهم من الإلقاء الذي يستحقون، وشتان بين قوله تعالى:
(وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) [المائدة/64]،
وبين قوله تعالى في حق موسى عليه السلام:
(وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه/39]
ولنتابع قصة سيدنا موسى مع الإلقاء والقذف والنبذ منذ ولادته قال تعالى:
(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص/7]
وقال تعالى:
(إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ( 38 ) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه/38، 39]
ثم تتوالى الآيات في القاء العصا، والقاء السحرة سجدا، والقاء الألواح، قال تعالى:
(فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ) [الأعراف/107]
(قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) [الأعراف/115-120].
(وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ ...)[الأعراف/150]
(فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس/80، 81]
(قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) [طه/19، 20]
(أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي )[طه/39]
(قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) [طه/65-70]
(فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ )[الشعراء/32]
(قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) [الشعراء/43-46]
(وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) [النمل/10]
(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص/7]
(وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ) [القصص/31]
هذا عن فعل الإلقاء وعلاقته بنبي الله موسى عليه السلام.
أما الشيء الذي له معه علاقة فالعصا، وله مع النار والماء وأما الصفة فالعَجَل بمعنى التعجل وأثرت معه بل وجسدها السامري لما حاد عن طريق القرب إلى العجل ونظراً لأن اليهود كانت صفتهم التجسيد والماديات ولا تذوق لهم عالٍ للمعنويات إلا من رحم ربي عبدوا هذا العجل أنظر إلى سريان هذا التعجل في الآيات وكيف أن منه ما هو محمود في حق موسى ومنها ما هو مذموم في حقهم قال تعالى:﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴾[طه/83، 84] وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ [الأعراف/150]
وقال تعالى: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ [طه/88] وقال تعالى: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِين [الأعراف/148]
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [البقرة/51]
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم [البقرة/54]
وانظر قوله: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ مع قول السامري:
قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي [طه/95، 96]
فإنه لما كان تجسيد العَجَل إلى العجل من تسويل النفس كان لابد للتوبة من ذلك بقتل تلك النفس
وقال تعالى:
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [البقرة/93]
وقال تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) [الأعراف/152]
ولسيدنا موسى أمر أيضاً مع الفعل (سقى) فإن له قصة في السقي لإبنتي سيدنا شعيب لما ورد ماء مدين، والبقرة التي أمر قومه بذبحها لا تسقي الحرث، كما أنه استسقى لقومه، فأمر بضرب الحجر بعصاه فكانت السقيا لهم من الأرض لا من السماء، أما الحبيب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد نبع الماء من بين اصبعيه الشريفين فسقى الجيش، سقانا الله بيده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبدا.
وفي القرآن الكريم نرى مشتقات فعل (سقى) في قصة موسى عليه السلام كما يلي:
(وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) البقرة/60
(قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ) البقرة/71
(وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين) [القصص/23-25]
ونعود فنعيد الفقرة التي تكلمنا عنها في الجزء (1) من المقالة فنقول: إن علاقة كوكبة الأفعال بقطب هذه الكوكبة وهو النبي هو تجلي وجودي، لأن الأشياء تتكلم بمجرد وجودها، والفعل هو المفتاح الذي يفتح المجال الأساسي للظهور.
فالإلقاء واللقاء: له علاقة بلقاء سيدنا موسى واحتجابه عنه فهذا اشارة إلى أنك كى تعلو إلى أعلى عليين لا بد تهبط إلى أسفل سافلين وبذلك تصبح مظهر جامع وإنسان كامل.
وهذا يظهر أيضاً في الاستسقاء فإنه طلب المطر من أعلى، فأمر بضرب الحجر بالعصا وتفجيره من أسفل.
والاستسقاء والالقاء والتعجل والعصا من مظاهر القوة والفتوة، فصلى الله وسلم على الكليم هذا النبي العظيم.
وللموضوع بقية، والصلاة والسلام على شفيع الأنام يوم الزحام، يوم يقول كل نبي نفسي نفسي فلا يتصدر لها إلا من هو اهلها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي يقول أنا لها أنا لها، اللهم اجعلنا في شفاعته ورضي الله عن صحابته وأهل بيته والحمد لله رب العالمين.

_________________
___________
(ومـا توفيقي إلا بالله)
فقير الإســــــــــكندرية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فقير الاسكندرية
Admin
avatar

عدد الرسائل : 310
تاريخ التسجيل : 02/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: من مظاهر تجليات الأنبياء الوجودية في القرآن الكريم   الإثنين سبتمبر 15, 2008 4:14 pm

الله
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الأول الآخر الظاهر الباطن والصلاة السلام على الفاتح الخاتم وآله وصحبه وسلم
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته...

(3) الرؤية اليوسفية والتأويل وقميص الآيات

لقد ورد ذكر سيدنا يوسف على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم السلام في القرآن في 27 موضعاً جاءت في 26 آية كلها في سورة يوسف إلا موضعين: أحدهما في سورة الأنعام والآخر في سورة غافر، وعليه فسورة يوسف فيها جل ما يتعلق بسيدنا يوسف فيما نبحث عنه.
وتدور مع سيدنا يوسف في القرآن ثلاث أمور: القميص والرؤيا والتأويل.
فأما القميص فقد دار مع سيدنا يوسف في قصته ذكر قميصه في ثلاث مواضع مختلفة بآثار مختلفة، قال السيوطي في الدر المنثور: وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن الشعبي رضي الله عنه قال : كان في قميص يوسف عليه السلام ثلاث آيات : حين قدّ قميصه من دبر ، وحين ألقي على وجه أبيه فارتدّ بصيراً ، وحين جاؤوا على قميصه بدم كذب ، عرف أن الذئب لو أكله خرق قميصه .انتهى.
وسيدنا يوسف يشتهر بالعفة، والعفة من التقوى، قال تعالى: " يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ" [الأعراف/26].
ثم دعنا نتكلم عن علاقة سيدنا يوسف بالفعل (رأى) وبالتأويل، ونقول من جديد (رأي) الراء والهمزة والياء أصلٌ يدلُّ على نظرٍ وإبصارٍ بعينٍ أو بصيرة. راجع مقاييس اللغة لابن فارس.
وسيدنا يوسف كانت له رؤية لما تؤول إليه الأشياء والأحاديث، وذكرت مادة (رأى) في سورته (سورة يوسف) وترتيبها في المصحف السورة رقم (12) وتكرار مادة (رأى) فيها 17 مرة في (12) آية كأنها تشير إلى أن رؤيته سارية ومشتهرة في الزمان وفي عالم الخيال كسريان الشهر في السنة.
قال تعالى:
(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِين) [يوسف/4-5].
(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف/24]
(فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)[يوسف/28]
(وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) [يوسف/30-31].
(ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ * وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف/35، 36].
(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ [يوسف/43]
(وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) [يوسف/59]
(قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف/78]
(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [يوسف/100]
والرؤية لها علاقة وطيدة بالبصيرة كما نقلنا عن ابن فارس في مقاييس اللغة مادة (رأي) قال: الراء والهمزة والياء أصلٌ يدلُّ على نظرٍ وإبصارٍ بعينٍ أو بصيرة. ولذلك فلا عجب أن تأتينا آية البصيرة الكريمة في أواخر سورة يوسف قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف/108]
والرؤية اليوسفية تمتاز بأنها مصحوبة بعلم التأويل ولذا نجد لفظة التأويل تتكرر على مدار السورة في سبع مواضع، قال تعالى:
(وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [يوسف/6]
(وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف/21]
(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) [يوسف/36، 37]
(قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ) [يوسف/44، 45]
(وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا * رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [يوسف/100-101]
ومصدر (التأويل) أول قال ابن فارس في مقاييس اللغة:
"الهمزة والواو واللام أصلان: ابتداء الأمر وانتهاؤه"، وقال: "تأويل الكلام، وهو عاقبتُهُ وما يؤُولُ إليه".
وقال في تهذيب اللغة:
وأما " التأويل " ، فقيل: من: أول يُؤوِّل تأويلاً.
وثلاثية: آل يؤول، أي رجع وعاد. انتهى.
فالتأويل خروج الشيء من عالم الغيب إلى عالم الشهادة (ما يؤول إليه الشيء) أو رجوعه من عالم الشهادة إلى عالم الغيب (الرجوع إلى الأول: وأن إلى ربك المنتهى).
ولذا نرى أن سيدنا يوسف عليه السلام لما ناجى ربه قال: "رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" [يوسف/101] فانظر إلى قوله: " فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " بعد قوله: " وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ " تستشعر بأن تأويل الأحاديث له علاقة بالنور الأصلي الذي فطر السموات والأرض، ونجد الشيخ الأكبر قد سمى الفص اليوسفي "فص حكمة نورية في كلمة يوسفية"

وننقل لكم بإختصار وتصرف ما قاله ابن كثير في تفسيره قال:
"ومن العلماء من فصل في هذا المقام، فقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان، أحدهما: التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تأويل رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا } [ يوسف : 100] وقوله (9) { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تأويلهُ يَوْمَ يَأْتِي تأويلهُ } [ الأعراف : 53] أي: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، والمعنى الآخر (1) وهو التفسير والتعبير والبيان عن الشيء كقوله تعالى: { نَبِّئْنَا بِتأويلهِ } [ يوسف : 36 ] أي: بتفسيره" انتهى بإختصار وتصرف يسير.
والذي نميل إليه أن كلاهما يرجع لرؤية واحدة وهو رؤية ما يؤول إليه الشيء حين خروجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، أو عودته من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، فإن ذلك إما يكون رؤية حقيقية في عالم الحس أو رؤيا برزخية في عالم الخيال، ومنه يفهم صاحب علم التأويل التفسير والتعبير والبيان لإطلاعه الكشفي على ما تؤول إليه الأمور والأغلب أن ذلك في حضرة برزخية إذ أن كلا الحس والخيال – كلاهما خيال لما ورد (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا) وهذا الأمر مفصل في فص حكمة نورية في كلمة يوسفية من كتاب فصوص الحكم لسيدي محيي الدين فراجعه وراجع شروحه في مسألة الحس والخيال إن شئت.
ولما كان التأويل هو ما يؤول إليه الأمر وعاقبته قال قتادة: "تأويله" عاقبته. لذا نجد أيضاً خواتيم سورة يوسف – في الآية رقم 109 من 111 آية – قال تعالى:
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [يوسف/109]

وفي السورة أربع رؤى رئيسية تدور حولها الأمور الجوهرية في القصة وهي:
- رؤية سيدنا يوسف نفسه التي استهلت بها السورة فتأتي في الآية رقم (4) ولا يأتي تأويلها وخروجها من عالم المثال وصورة الخيال إلى عالم الحس إلا في الآية رقم 100 من إجمالي 111 آية هي آيات السورة كلها، فكأن جُلَّ السورة تتكلم على سيرورة هذه الرؤيا من عالم الخيال حتى تتوجت في عالم الحس في الآية رقم (100).
- رؤيتا صاحبي السجن، وتأويلها لهما، والتمهيد قبل التأويل بالدعوة إلى التوحيد، وكانت هذه الرؤية سبباً في خروج سيدنا يوسف من السجن وتبرئته لاحقاً.
- رؤية الملك وكانت سبباً لتمكين يوسف في الأرض ثم إجتماعه بإخوته وأبويه لاحقاً.

ومن مادة (أول) أيضاً الآل قال ابن فارس: " وآلُ الرَّجُلِ أَهلُ بيتِه من هذا أَيضاً* لأنه إليه مآلُهم وإليهم مآلُه." انتهى.
وقد إنتهت قصة سيدنا يوسف بأن آلَ إليه آلُهُ ورفع أبويه على العرش.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أنبياء الله ورسله وآل كلٍ وصحبه وسلم.

_________________
___________
(ومـا توفيقي إلا بالله)
فقير الإســــــــــكندرية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فقير الاسكندرية
Admin
avatar

عدد الرسائل : 310
تاريخ التسجيل : 02/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: من مظاهر تجليات الأنبياء الوجودية في القرآن الكريم   الثلاثاء سبتمبر 23, 2008 3:00 pm

الله
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله القائل كنت كنزاً مخفيا، والصلاة والسلام على من أرسل للعالمين رسولاً ونبيا وآله وصحبه بكرة وعشيا
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته...
أما بعد...
نستأنف معاً تدبر تجليات الأنبياء الوجودية في القرآن الكريم فنقول:
(4) العبودية والعشق والكلمة والحياة والعماء

إذا استعرضنا قصص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين في القرآن الكريم لوجدنا تعلقات العناصر الأربعة الأساسية بالكون برسول من الرسل خصوصاً أولي العزم بحيث يكون كل رسول هو مظهر جامع لحقيقة هذا العنصر:
العناصر الأربعة: التراب والماء والهواء والنار وهي العناصر التي تشكل العناصر البدائية التي منها ابتدأ الكون في الفلسفة الإغريقية، وكذلك هي العناصر المؤسسة للأساطير الهندوسية والبوذية التي انطلقت من الهند القديمة، وأيضاً قد تكلم بعض العارفين عنها منهم سيدي محيي الدين بن العربي في الفتوحات فجعل باباً في معرفة العناصر إلا أننا هنا سنتناول الأمر من حيث الرؤية التي تراءت لنا من خلال القرآن الكريم وقصص الأنبياء.

فالعناصر الأربع قد ترمز رموزاً فمثلاً التراب يرمز للعبودية ولذلك ترى فعل (ترب) آخره الاسم (رب) الذي هو الاسم المقابل لاسم (عبد)، ويقال تَرِبَ الرجل إذا افتقَرَ كأنّه لصِق بالتُّراب (راجع مقاييس اللغة لإبن فارس)، والفقر والفاقة أصل ذاتي في الناس في مقابلة الغنى لله قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر/15] ، أما النار فترمز للعشق والهوى، ويصاحبها الاسم (الهادي المضل) فإن كانت برداً وسلاماً كانت هدىً كما في حق الخليل (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) [الأنبياء/69] ، وكذلك (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) [طه/10] كما في حق الكليم، أما والعياذ بالله إن لم يكن العشق والهوى مؤيداً تأييداً إلهياً فإن العاشق قد يعشق نفسه ويضله هواه (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ) [الأعراف/12] ، [ص/76] ، أما الهواء فيشير للاسم (هو) والنفس الرحماني، وهو يرمز للروح وللحروف وللكلمة.
أما الماء فيرمز للحياة وتجليات اسم الله (حي) قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) [الأنبياء/30].

ثم دعنا ننظر إلى قصص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وظهور أحد العناصر الأربع أو بعضها فيها:
فإفتتاح الخلافة الإنسانية بأبي الأنبياء سيدنا آدم عليه السلام نجد أنه كان مظهراً جامعاً للتراب فكان خليفة في الأرض، وأما سيدنا نوح فقد كان مظهراً جامعاً للماء (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) [القمر/9 - 12]، وبالماء حيا نوح وبالماء أهلك قوم نوح، ودعا نوح قومه لإحياء قلوبهم بماء الاستغفار لإستدرار الأمطار وجعل الأنهار (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) [نوح/10- 12]. والذكر ماء الحياة للقلوب قال صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ) رواه البخاري.
وكذلك علاقة سيدنا ابراهيم بالنار التي هي مظهر العشق والهيمان ومن المعروف طبعاً أن سيدنا إبراهيم قد ضحى بابنه حباً في الله تعالى وعلاقة الخُلة بالعشق معروفة.
ثم علاقة سيدنا موسى أيضاً بالماء الذي به حيا بنو اسرائيل وأهلك الله به فرعون في آن واحد، والقاء أمه له في اليم منذ ولادته ثم سقايته لإبنتي شعيب والذي كان فيه بداية تربيته على يد سيدنا شعيب، ثم حين استسقاه قومه وضربه للحجر فانفجرت منه اثنا عشر عيناً.
وسيدنا عيسى له علاقة بالنفخ (الهواء) الذي يرمز للروح وللحروف وللكلمة ولذا فله علاقة بالتتيم، وبالضلال والهدى، قال تعالى:
(وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء/91] (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) [التحريم/12] (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) [آل عمران/49] (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي) [المائدة/110].
(وَلَا الضَّالِّينَ) [الفاتحة/7].
(إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) [النساء/171]

إن كل نبي مظهر من مظاهر التعينات أما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فغير متعين بأحد هذه التعينات كما تقتضيه حقيقة التوحيد الكامل الصافي الذي هو دائماً إشارة إلى اللا تعين السابق على كل تعين وذلك لأن عملية التحديد نفسها تقتضى التقييد بمظهر ما ولما كان هؤلاء الأنبياء ليس أحدهم خاتماً للنبوة كانت حقيقة كل واحد منهم تقتضي التقيد بأحد التعينات الكلية للوجود أو بعضها، وأما الخاتم الأعظم صلى الله عليه وسلم فحقيقته تقتضي عدم التقيد بأي من هذه التقيدات مع ظهوره فيها وهو الرجوع إلى اللاتعين الأصلي السابق على كل تعين والذي هو مصدره الأساسي وإن شئت قلت العماء السابق على ظهور الحضرة أو المرتبة الوجودية وإن شئت قلت الغيب السابق على ظهور كل شهادة فكان هو صلى الله عليه وسلم صاحب السر الأعظم ومفتاحه الذي هو غيب الغيوب وسر الأسرار!

_________________
___________
(ومـا توفيقي إلا بالله)
فقير الإســــــــــكندرية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
من مظاهر تجليات الأنبياء الوجودية في القرآن الكريم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى أحباب فضيلة الشيخ رزق السيد عبده :: العلوم القرآنية والتجليات الفرقانية-
انتقل الى: